الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

22

مختصر الامثل

وتقول الآية الأخيرة كاستخلاص نتيجة جامعة كلية : « ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ » . إنّ مجموع البحوث التي وردت في الآيات السابقة حول كون اللَّه خالقاً ومالكاً ، وعن علمه وقدرته اللامتناهيين ، أثبتت هذه الأمور ، وأنّ الحق هو اللَّه وحده ، وكل شيء غيره زائل وباطل ومحدود ومحتاج ؛ والعلي والكبير الذي يسمو على كل شيء ، ويجلّ عن كل وصف ، هو ذاته المقدسة . أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 31 ) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( 32 ) يدور البحث والحديث في هاتين الآيتين أيضاً عن نعم اللَّه سبحانه ، وأدلّة التوحيد في الآفاق والأنفس ، فالحديث في الآية الأولى عن دليل النظام ، وفي الآية الثانية عن التوحيد الفطري ، وهما في المجموع تكمّلان البحوث التي وردت في الآيات السابقة . تقول الآية الأولى : « أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ ءَايتِهِ إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَاتٍ لِكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ » . لا شك أنّ حركة السفن على سطح المحيطات تتمّ بمجموعة من قوانين الخلقة . وبعد بيان نعمة حركة السفن في البحار ، والتي كانت ولا تزال أكبر وأنفع وسائل حمل ونقل البضائع والبشر ، أشارت هذه الآية إلى صورة أخرى لهذه المسألة ، فقالت : « وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ » . « الظلل » : جمع ظُلّة بمعنى سحابة تظلّ . أي إنّ أمواج البحر العظيمة تهيج فتحيط بهم كأنّ سحاباً قد أظلّهم بظل مرعب مهول . هنا يجد الإنسان نفسه ضعيفاً وعاجزاً رغم كل تلك القوى والإمكانيات الظاهرية التي أعدّها لنفسه . هنا يحيط التوحيد الخالص بكل قلبه ويغمره ، ويعتقد بأنّ الدين والعبادة مختصة به سبحانه . ثم تضيف الآية إنّ اللَّه سبحانه لما نجّاهم من الهلكة انقسم الناس قسمين : « فَلَمَّا نَجهُمْ إِلَى الْبَرّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ » .